بهاء الدين الجندي اليمني
404
السلوك في طبقات العلماء والملوك
بها ونواحيها ، فأرشد إلى الفقيه أبي بكر بن ناصر فاستدعاه من الذنبتين فلما حضر بقصر الجند وسلم قال : يا فقيه نريد منك أن تدرس لنا بهذه المدرسة فقال : لا أفرغ وأنا رجل بدوي لا أقدر على المدينة قال : فتبيعنا كتبك قال ولا ذلك ، وذلك بحضرة الأمير علي بن يحيى قال له المنصور : فتخرج من بلادنا ، قال : نعم ثم ولى خارجا عازما على ذلك فقال علي بن يحيى : اللّه اللّه يا مولانا ! رجل علّامة تأمره أن يخرج من بلدك ومثله يطلب من أقصى البلاد فقال : ما وجدنا له جوابا إلا قول لا ، قال : سألته أمرا عظيما وهو بيع كتبه فأجاب بأشقّ جواب ثم قال : يا مولاي ، إن الفقيه أشق الأمور عليه هو بيع كتبه ، فأمر السلطان بردّه وقال له : قف بيتك فما لأحد عليك تعرّض وادع لنا ، فخرج الفقيه وعاد بلده طيّبا ، وسأذكر قصته مع ابن فضل في ذكره ، وابتنى مدرسة ببلده وهي التي قبر بها ووقف عليها وقفا جاملا ، لكن أولاده لما افتقروا عادوا عليه واستأثروا به ، وكان مع صحبته للفقهاء والصالحين يتواضع ويتأدب معهم ويقبل شفاعتهم ، وكان في ناحية من بلد بني حبيش رجل من الفقهاء والصلحاء يعرف بعبد اللّه القرين ربما يأتي من ذكره ما لاق ، كان عليّ بن يحيى يصحبه إذ كانت بلاده إقطاعة وكان مهما أمره به ائتمر ، وكان الفقيه يدعو له ويذكره بالخير فعوتب على ذلك وقيل له : هذا رجل ظالم ، فقال : إن دخل علي بن يحيى النار فإنها صحبة حمار بن حمار ، واللّه لا مات إلا طاهرا مطهرا ، فقيل له وما تطهيره ، قال القيد والحبس ، فلما حصل له ذلك ومات به علم صدق الفقيه ، وكانت وفاته يوم الاثنين في صفر سنة إحدى وثمانين وستمائة وحمل إلى بلده فقبر بمدرسته . وأما أسد الدين ، العارض ذكره معه ، فهو محمد بن حسن بن علي بن رسول ، أحد خيار بني رسول وكرامهم ، قلّما قصده قاصد إلّا وأناله قصده ، وأجزل رفده ، وله آثار جيدة مبقية للذكر ، منها مدرسة بمدينة إب « 1 » ثم مدرسة بقرية الجبابي « 2 » وبها قبره ، وعليها وقف كثير شيء منه للوافد يطعم على قدر حاله ، ومنها للدرسة ومدرس ، ثم لما صار بالسجن اشتغل بقراءة كتب العلم وكان يستدعي بالفقهاء إلى موضعه فيقرأ عليهم ويحسن إليهم لا سيما شيخنا الفقيه أحمد السرددي إذ كان رأس المحدثين إذ
--> ( 1 ) مدرسته التي بمدينة إب لا زالت عامرة ، وهي ذات قباب وفناء واسع وغير ذلك ، ولها وقف ويدرّس فيها علم الحديث وتسمى الأسدية العليا . ( 2 ) الجبابي : بفتح الجيم والباء الموحدة ثم ألف وباء موحدة وياء مثناة من تحت ، وهي اليوم القرية ، والمدرسة خراب ، ولا تعرف القرية إلا بسدّها المشهور من وقف بني رسول يقال له سدّ الجبابي وتقع في عزلة أنامر أعلى من شمال ذي جبلة .